العلامة الحلي

108

الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )

وقد جعل بعض الشّارحين مجموع المقدّمتين إشارة إلى دليل واحد على المطلوب ، وهذا وان كان ملائما لسياق الكلام ويؤيده قوله فيكون قدرته عامّة لكنّه مخالف لما هو المشهور فيما بينهم فتأمّل تعرف . الصّفة الثّانية من الصّفات الثّبوتية أنّه تعالى عالم . قد يطلق العلم ويراد به مطلق الإدراك وهو الصّورة الحاصلة عن الشيء عند الذّات المجرّدة ، وهو بهذا المعنى يعمّ التّصورات والتّصديقات اليقينية وغير اليقينيّة ، وقد يطلق ويراد به التّصديق اليقيني ، وقد يطلق ويراد به ما يتناول التّصديقات اليقينيّة والتّصورات مطلقا ، وهو بهذا المعنى يفسّر بأنه صفة توجب تميزا لا يحتمل النقيض ، بناء على ما زعموا من أنّه لا نقيض للتّصوّرات . والأولى حمله هاهنا على هذا المعنى لأنّه المتبادر من لفظ العلم شرعا ولغة على ما قالوا ، ولانّ علم اللّه منحصر في اليقين والتّصوّر ، ويمكن حمله على المعنى الأوّل على أن يكون المراد بالصّورة أعمّ من الصّورة العقليّة والخارجيّة ليشتمل العلم الحصولىّ والحضورىّ ، ضرورة أنّ علمه تعالى حضوري على ما حقّق في محله . وإنّما قدّم العلم على الحياة لانّ إثباتها يتوقّف على إثباته كالقدرة على ما ستطلع عليه ، لأنّه تعالى فعل اى أوجد وخلق الأفعال اى الآثار ، على أن يكون المراد من الفعل الحاصل بالمصدر المحكمة المتقنة ، الإحكام والإتقان متقاربان في اللّغة ، والمراد بهما هاهنا اشتمال الآثار على لطائف الصنع وبدائع التّرتيب وكمال الملايمة للمنافع والمصالح المطلوبة منها ، وكل من فعل ذلك فهو عالم بالضّرورة ، أمّا الصّغرى فلما ثبت من أنّه تعالى خالق للعالم الواقع على نمط بديع ونظام منيع ، مشتمل على ما في الآفاق والأنفس من عجائب القدرة وغرائب الصّنعة بحيث يتحيّر فيها العقول والأفهام ولا يفي بتفاصيلها الدّفاتر والأقلام . وأمّا الكبرى فبالبديهة كما يشير إليه قوله : « بالضّرورة » وقد نبّه عليه بأنّ من رأى خطوطا مليحة وسمع الفاظا فصيحة موضحة عن معان صريحة واغراض صحيحة علم قطعا انّ فاعلها عالم .